languageFrançais

تقرير: السيادة والتحول الرقمي طريق تونس للنجاة في عالم تعدد الأقطاب

تستعرض دراسة حديثة بعنوان "قراءة جيوسياسية ودبلوماسية للوضعية الدولية وتأثيرها على تونس"، الصادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات (IACE)، تحليلاً استراتيجياً معمقاً للموقع التونسي في ظل نظام عالمي يتجه نحو التفكك والتشظي. 

فنتائج الدراسة تؤكد أن النظام الدولي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية يعاني اليوم من تصدعات عميقة، حيث حلت سياسات القوى الكبرى العدوانية محل التوازنات التي سادت فترة الحرب الباردة، مما أدى إلى انتهاك قواعد القانون الدولي وتجاوز دور منظمة الأمم المتحدة في نزاعات كبرى، وتعيش البشرية حالياً مرحلة إعادة تشكل جذري تنتقل فيها الهيمنة من المعسكر الغربي التقليدي إلى نموذج متعدد الأقطاب يتميز ببروز قوى إقليمية صاعدة كالصين والهند والبرازيل، وهو ما يمثل نهاية الحقبة التاريخية للتفوق الغربي المطلق.

المعيار الجديد للتعامل مع الأزمات

وفي هذا السياق المتلاطم، رصدت الدراسة تحولاً جذرياً في فلسفة العلاقات الدولية من مفهوم "السلام عبر التعاون والتجارة" الذي ساد في عقود العولمة، إلى عقيدة "السلام عبر القوة" التي باتت تشكل المعيار الجديد للتعامل مع الأزمات الدولية، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو في التوترات المتصاعدة في منطقة المحيط الهادئ. 

هذا المناخ العدائي لم يقتصر على الجوانب العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل منافسة وجودية على الموارد الاستراتيجية كالمياه والأراضي النادرة، وتفاقم التهديدات السيبرانية وتحديات التغير المناخي التي تزيد من هشاشة الدول وتضعف آليات العمل متعدد الأطراف، مما يفرض على الدول المتوسطة مراجعة شاملة لتموضعها الخارجي.

بالنسبة لتونس، فإن هذا السياق العالمي يضعها في قلب منطقة متوسطية مجزأة لم تعد تشبه حالة الاستقرار النسبي التي عرفتها مطلع الألفية، بل تحولت إلى ساحة لتداخل الأزمات الأمنية وضغوط الهجرة غير النظامية والتعقيدات الطاقية.

تونس شريكًا استراتيجيًا

فالموقع الجغرافي لتونس يجعلها نقطة ارتكاز حيوية بين الشمال والجنوب، تتأثر بشكل مباشر وفوري بكل ما يحدث في محيطها الإقليمي، من النزاع الليبي إلى اضطرابات منطقة الساحل الإفريقي. 

وبالرغم من الصعوبات الاقتصادية الهيكلية، تظل تونس شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه للقوى الإقليمية والدولية بفضل رصيدها الدبلوماسي التاريخي وقدرتها على إدارة ملفات معقدة وحساسة في حوض المتوسط.

وتخلص دراسة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى أن الدبلوماسية التونسية تواجه اليوم تحدي الموازنة بين الحفاظ على شراكتها التاريخية والعميقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وبين ضرورة الانفتاح على الأقطاب الجديدة كالصين وروسيا لتجنب التبعية الهيكلية. 

وقد أظهرت تونس في الفترة الأخيرة تمسكاً صارماً بمبدأ السيادة الوطنية كأولوية تتقدم على برامج التعاون الدولي، وهو ما يفسر استراتيجيتها في تنويع التحالفات لضمان هامش مناورة أوسع.

كما أن المستقبل الاستراتيجي لتونس، حسب الدراسة، يفرض عليها الانتقال نحو "دبلوماسية المستقبل" القائمة على "التعددية النشطة"، مع المراهنة القصوى على اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الفضائية لتعزيز سيادتها الوطنية ومكانتها في النظام العالمي الجديد.

صلاح الدين كريمي